الإبداع والاضطرابات النفسية (المزاجية).
كتب <أدرجار ألان پُو> قائلا: «لقد اعتبرني الناس مجنونا، ولكن لم يُبَتَّ بعد إن كان الجنون هو أرفع درجات الذكاء أم لا، أو إن كان كلّ ما هو رائع وكل ما هو عميق نابعًا من سَقَمٍ في الفكر أو من حالات مزاجية للعقل تعلو على حساب القدرات الفكرية العامة».
لقد شارك كثير من الناس، ردحا طويلا من الزمن، الكاتب پُو اشتباهه في أن العبقرية والجنون أمران متشابكان. وفي الحقيقة، يورد التاريخ عددا لا يحصى من الأمثلة على «ذلك الجنون الرهيف.» هذا وإن العشرات من كبار شعراء القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وفي مقدمتهم <W. بليك> و <L. بايرون> و <L .A. تينيسون>، كتبوا عن التقلبات المزاجية المتطرفة التي عانوها. كما أن بعض الشعراء الأمريكيين المحدثين، من مثل <J. بيريمان> و <R. جاريل> و<R. لوويل> و <S. پلاث> و <T. روثكي> و <D. شوارتز> و <A. سكستون>، أُدخلوا إلى المصحات نتيجة إصابتهم بالهوس أو الاكتئاب خلال حياتهم. ومن المعروف أن كثيرا من الرسامين والموسيقيين، ومن بينهم <ڤنسنت ڤان گوخ> و <G. أُوكيف> و <C. مينكوس> و <R. شومان> ابتلوا أيضا بهذين المرضين.
وبناء على المعايير التشخيصية الحالية، يبدو أن معظم هؤلاء الفنانين ـ وكثيرا غيرهم ـ عانوا واحدا من اضطرابين مزاجيين رئيسيين هما مرض الاكتئاب الهوسي manic-depressive illness والاكتئاب الشديد major depression. ومع كون هذين المرضين شائعي الحدوث إلى حد ما وقابلين للمعالجة، فإنهما كثيرا ما يؤديان إلى الموت. ويسبب الاكتئاب الشديد نوبات سوداوية melancholic حادّة؛ في حين أن الاكتئاب الهوسي، وهو داء جيني (وراثي) إلى حد بعيد، ينقل المصابين به مرارا من حالات اكتئابية إلى حالات تتسم بنشاط مفرط وشعور بالانشراح، أو حالات يغلب عليها سرعة الاهتياج. أما في الحالات المعتدلة من الاكتئاب الهوسي، التي يُطلق عليها اسم المزاجية الدورية cyclothymia، فتنتاب المصابَ تقلبات واضحة في المزاج والسلوك والنوم وأنماط التفكير ومستويات الطاقة، من دون أن تؤدي إلى العجز التام. وتتميز الحالات المتقدمة فيها بتناوبات دورية مأساوية.
الدم الملوث لآل تينيسون
هل يمكن أن تكون لمثل هذه الأمراض المشتِّتة لطاقة العقل حسنات إبداعية معينة؟ يرى كثير من الناس أن هذا الطرح منافٍ للحدس والمنطق. فمعظم المصابين بالاكتئاب الهوسي لا يتمتعون بقدرات تخيلية غير عادية، كما أن معظم الفنانين المتألِّقين لا يعانون تقلبات في أمزجتهم؛ ومن ثَمَّ فإن القول بأن مثل هذه الأمراض تقوِّي عادة الموهبة الفنية إنما يعزّز خطأ الأفكار الشائعة حول «العبقري المجنون.» والأسوأ من ذلك أن مثل هذا التعميم يقلل انتباهنا لحالة طبية خطيرة جدا؛ كما أنه، إلى حد ما، يسيء إلى سمعة الأفراد الذين يعملون في ميادين الفنون. وإنه لمن الخطأ أن نَسِمَ أي امرئ متألق تألقا غير عادي ويتمتع بطاقات كبيرة وبانفعالات حادة وبتقلب في المزاج أو بغرابة في الأطوار، بأنه شخص مصاب بالاكتئاب الهوسي. ومع ذلك فقد أشارت دراسات حديثة إلى أن عددا كبيرا من الفنانين المبدعين يحققون المعايير التشخيصية للاكتئاب الهوسي أو الاكتئاب الشديد الواردة في الطبعة الرابعة من الكتاب الإحصائي والتشخيصي للأمراض العقلية(3). وفي الواقع، يبدو أن هذين المرضين يمكنهما أحيانا أن يعززا، أو أن يسهما، في الإبداع لدى بعض الناس.
وبسبب الانتشار الواسع لهذين الاضطرابين دون غيرهما، يتضح أن اضطرابات المزاج لا تولِّد العبقرية بالضرورة. وواقع الحال أن 1% من مجموع الناس يعانون خلال حياتهم الاكتئاب الهوسي، الذي يسمى أيضا الاضطراب الثنائي القطب bipolar disorder، في حين يعاني 5% حالة الاكتئاب الشديد، ويسمى الاضطراب الوحيد القطب unipolar disorder. هذا وإن الاكتئاب يصيب من الرجال ضعف ما يصيب من النساء؛ كما أنه في أغلب الأحيان، وليس دائما، يصيب الإنسان في المراحل المتأخرة من حياته. ونشير هنا إلى أن الاضطراب الثنائي القطب يصيب الرجال والنساء بأعداد متساوية، وأن أعراضه تظهر في أكثر من ثلث الحالات قبل سن العشرين. ونشير كذلك إلى أن ما بين 60 و 80 في المئة من جميع المراهقين والبالغين الذين يُقدِمون على الانتحار يُظهر تاريخهم المرضي إصابتهم بالاضطراب الثنائي القطب أو الوحيد القطب. وقبل أن يصبح عقّار الليثيوم واسع الانتشار لأول مرة في أواخر السبعينات، كان يُقْدم على الانتحار شخص واحد من كل خمسة مصابين بالاكتئاب الهوسي.
وتتضح أعراض الاكتئاب الشديد في كل من الاضطرابين الوحيد القطب والثنائي القطب من خلال الخمول والوسن والقنوط واضطرابات النوم والبطء في الحركات الفيزيائية (الجسدية) والتفكير، وكذلك من خلال ضَعْف الذاكرة والتركيز وعدم الإحساس بالمتعة في المناسبات التي تسودها عادةً البهجة والسرور. وتشمل المعايير التشخيصية لهذا المرض أيضا التفكير بالانتحار ولوم الذات والشعور بالذنب. وللتفريق بين الاكتئاب السريري (المرضي) وعدم السعادة التي تحل بالأسوياء من آن لآخر، فإن المؤشرات العامة للاكتئاب تقتضي ديمومة هذه الأعراض طوال فترة تتراوح ما بين أسبوعين وأربعة، كما تشوِّش هذه الأعراض بشكل جوهري الأداء اليومي لممارسات الفرد.
تحسين المزاج
خلال نوبات الهوس mania أو الهوس الخفيف mild mania hypomania، يعاني مرضى الاكتئاب الثنائي القطب أعراضا تناقض ـ من نواح عدة ـ الأعراض المصاحبة للاكتئاب. فيتحسَّن مزاجهم ويرتقي احترام الذات لديهم وينامون أقل من المعتاد ويتمتعون بطاقة عالية، كما تزداد إنتاجيتهم، وغالبا ما يصبح المهووسون زَوَرَانيين paranoid وسريعي الاهتياج. وفضلا عن ذلك، غالبا ما يكون كلامهم سريعا واستثاريا واقتحاميًا، أما أفكارهم فتنتقل بسرعة وانسياب من موضوع إلى آخر. كذلك فإنهم يؤمنون عادة إيمانا راسخا بصحة أفكارهم الخاصة وأهميتها. ويمكن أن يسهم شعورهم بالعظمة في إطلاق أحكام هزيلة وفي الاتسام بسلوك متهور.
ويتميز المصابون بالهوس والهوس الخفيف عموما بعلاقات شخصية ومهنية مشوشة. ولديهم استعداد لتبذير أموالهم، أو قيادة سياراتهم بتهور، أو الانخراط في مشاريع أعمال مشكوك في جدواها أو إقامة علاقات غرامية جنسية عابرة. وفي بعض الحالات يصاب المهووسون بهياج عنيف، وتنتابهم أفكار مضلِّلة وهلوسات بصرية وسمعية.
معدلات اضطرابات المزاج
لقد وثَّق العلماء على مدى سنوات عديدة وجود نوع من الارتباط بين الهوس والاكتئاب والإنجازات الخلاّقة. وفي أواخر القر
المزيد